يستمد زمن الصوم أهميّته من دور التوبة وعيد الفصح في حياة الكنيسة والمؤمنين. تقوم الكنيسة طوال أسابيع الصوم بدرب صليب طويل يتألّق بالصوم والصلاة والتوبة. رافق هذا الزمن ممارسات روحيّة وعادات شعبيّة من أماتات وتقشّفات ورياضات روحيّة فأخذت عبر الأجيال والعصور أبعاداً كثيرة ومتنوّعة. سمّته الكنيسة «الصوم الأربعيني» ولكنه فعليّاً «خمسيني» لأنّها أضافت إليه أسبوع الآلام. إنّ للصوم وجهين: وجه معاناة من خلال ممارسة أماتة الذات في الزهد والصلاة والتوبة وأعمال البر، ووجه إيجابي لأنّه توق وانتظار للقيامة المجيدة بفرح ورجاء كبيرين.



 

1- الصـوم: فـريـضة كنـسيّة

          يتعلّق الصوم بالامساك عن الأكل من منتصف الليل إلى الظهر، والامساك عن أكل اللحوم يوم الجمعة.

          منذ أيّام الرسل حلّ الأحد محلّ السبت، يوم الرب عند اليهود، وحلّ كذلك يوما الأربعاء والجمعة محلّ الاثنين والخميس عند الوثنيين بما يعود لموضوع الصوم.

          صيام يومي الأربعاء والجمعة أخذه المسيحيّون بدلاً من صيام الثلاثاء والخميس الذي كان يتمسّك به أتقياء البهود ويعود هذا الصيام إلى أواخر القرن الأوّل حسب الكتاب المسمّى «تعليم الرسل». كان يصوم البعض يوماً والآخر يومين أو أكثر وبعضهم ثماني وأربعين ساعة دون انقطاع.

          حتى القرن الخامس كان المسيحيّون يأكلون مرّة واحدة في اليوم وذلك حوالي الساعة الثالثة، ينقطعون عن أكل اللحم والبياض طيلة أيام الصوم وكل أربعاء وجمعة على مدار السنة.

          إنّ عدد الأربعين تحدّد في القرن الرابع تحت تأثير الرموز الكتابيّة:

  • دام الطوفان أربعين يوماً،

  • صام موسى وإيليا ويونان أربعين يوماً،

  • قطع الشعب الإسرائيلي الصحراء في أربعين سنة،

  • صام يسوع أربعين يوماً.

          إنّ المجمع اللبناني (1736) تحت عنوان الأعياد والأصوام عدد 3 حدّد بدء الصوم الأربعيني يوم الإثنين الذي يلي أحد مدخل الصوم، وختامه يوم السبت الذي يسبق أحد القيامة. لايصام أيام الآحاد والسبوت إلاّ سبت النور، ويحرّم في هذا الصوم تناول اللحم والبيض مع الانقطاع عن كلّ طعام أو شراب من نصف الليل إلى نصف النهار. ثم يطلب المجمع من السيّد البطريرك أن يقسّح من الصوم إذا رأى ذلك موافقاً.

          امتنعت الكنيسة عن إقامة القداس الإلهي كل أيام الأسبوع ما عدا السبت والأحد طيلة الصوم، دليلاً على التوبة التي يجب أن ترافق الصوم. كما امتنعت عن الاحتفال بالأعراس واحتفلت بزياح الصليب كل يوم جمعة على مدار أسابيع الصوم.

2- الصـوم ممارسات فرديّة

          رافقت الصوم الأربعيني عادات كثيرة ومتنوّعة، منها ما هو صادر عن التعليم الكنسي، ومنها ما هو من التراث والتقاليد الشعبيّة ورثناه عن الماضي، ومنها ما هو ممارسات شخصيّة. مثلاً قد لا نجد سبيلاً وجيهاً لنشأة فكرة خميس السكارى، ولكن بعض التقاليد تقول أنّه كان هناك خميسان للسكارى:

  • الأول في الأسبوعين قبل بدء الصوم وهو خميس السكارى للأغنياء، فيه يقيمون المآدب والحفلات الراقصة متنكرين ويشربون الكحول،
  • والثاني يليه ويتقدّم أوّل الصوم هو خميس السكارى للفقراء، يرافقه في بعض البلدان كارنفال  الشوارع والبلدات والمدن.

          اعتبر عدد من الناس أن الصوم لا معنى له، لذلك يجب الانقطاع عن اللسان الطويل والنميمة والكفر والعادات السيّئة. وقد اعتبره البعض الآخر مجرّد ممارسات خارجيّة سطحيّة فارغة، أو تخلّصاً من عادات مزعجة كالانقطاع عن التدخين والقهوة وشرب الخمر. بينما ما يزال الكثيرون يمارسون هذا الصوم تحضيراً للعيد الكبير، فعبّروا عن إيمانهم بالانقطاع عن الملذّات والأفراح والاحتفالات بالصوم والحرمان من جهة، وبتكثيف ثقافتهم الروحيّة من خلال السجود والصلاة والتكفير عن خطاياهم بالندامة والاعتراف من جهة أخرى.

          في أواسط القرن الثالث بدأ المؤمنون في ممارسة ليتورجيّة التوبة والمصالحة مع الصوم إستعداداً للفصح. وفي مجمع نيقية (325) أصبح الصوم زمن استعداد إلى المعموديّة وشرطاً لغفران الخطايا. فالمؤمنون الذين يحتفلون بسر العماد، عليهم أن يبدأوا صيامهم بصوم يدوم أربعين يوماً فلا يأكلون شيئاً وبخاصّة ما له علاقة بالحيوان مثل اللحمة والحليب ومشتقّاته. لكن رغم جو التوبة والألم كانوا يعتبرون زمن الصوم زمن فرح ورجاء لأنّهم يؤمنون أنّ الصوم هو مسيرة تؤهّلهم إلى النصر والقيامة والمجد.

3- الصـوم مسيرة فرح وقيامة

          ربطت الكنيسة زمن الصوم بالقيامة المجيدة. فالآلام الخلاصيّة هي العبور إلى تجلّي القيامة، فأصبح الصوم فترة عبور إلى القيامة مع المسيح القائم من القبر لأنّه مع صليب المسيح تبدّل معنى الألم والصوم فأصبح جسراً وجسر عبور وفصح كما جاء في إحدى التراتيل المارونيّة «صليبك يكون جسراً لهم ومعموديّتك ستراً لهم، جسدك ودمك يبلّغهم، طريقاً للسماء يرشدهم». تلك هي «سمفونيّة عيد خلاصنا» على حسب تعبير القدّيس إيريناوس.

          يشبّه آباء الكنيسة هذا العبور وهذا الصوم برحلة بحريّة تقوم بها الكنيسة «السفينة» لتصل في نهايتها إلى ميناء الأمان على هدى منارة الصليب على حدّ قول المسيح «تعالوا أيها المتعبون والثقيلوا الأحمال وأنا أريحكم».

          في التقليد الماروني القديم كان يحتفل أجدادنا برتبة «الوصول إلى الميناء» نهار الاثنين من أسبوع الآلام، تعني أنّ الصائمين وصلوا بخير إلى الميناء ومصابيحهم تتلألأ بزيت الأعمال الإنسانيّة والروحيّة معاً، بانتظار أن يطأوا يوم أحد القيامة، بينما في كتاب الكسليك تصلّي الجماعة صلاة الوصول إلى الميناء في صلاة صباح الاثنين من أسبوع الآلام، وتتركّز الصلوات على أبعاد الدخول إلى الميناء ومعانيه العميقة. حافظت الكنيسة السريانيّة على هذه الرتبة حتى اليوم، فتحتفل بها ليل الاثنين من أسبوع الآلام.

          يبقى الصوم في الطقس الماروني مسيرة فرح لأنّه مسيرة نحو عرس يسوع المسيح، عرس لا ينتهي في قانا الجليل، لذلك تقرأ الكنيسة المارونيّة في أحد مدخل الصوم عرس قانا الجليل، لتركّز أنّ الصوم هو فعل رجاء وفرح، إنّه خمرة الحياة، الخمرة الجيّدة يسوع المسيح.

          يرمز موضوع العرس في الكتاب المقدّس إلى عرس الله مع شعبه، إلى العرس الخلاصيّ والإسكاتولوجيّ، أي إلى الوحدة بين الله وشعبه وبين المسيح وكنيسته.

خــاتــمة

          لا نفهم معنى الصوم إلاّ بدخولنا في سرّ المسيح المتألّم والمنتصر على الموت فيصبح عندئذ صومنا صوماً فادياً ومسيرة توبة، مسيرة فرح ورجاء، مسيرة لقاءٍ بالرب يسوع، فنتحوّل من عالم الموت والقهر إلى ينبوع نِعَمٍ كثيرة تفيض صلاة ومحبّة وحياة مع المسيح الذي هدم في جسده الحاجز الذي يفصل بين الانسان وذاته، بين الإنسان وأخيه الإنسان وبين الإنسان وربّه.

          إنّ صومنا هو فعل محبّة يعيشه المؤمن، إنّه ليتورجيّة توبة وتجدّد وتهليل، إنّه حياة تجعلنا أبناء الصليب والقيامة معاً.